You are on page 1of 12

‫السسسدد‬

‫لةسسسماَسحةة الششييةخ العللمّاةة‬


‫سعيبةد اللشـَّةه بةن سعيبةد الشريحسةن بةن ةج يةبيينن‬

‫ـَّ حفطهد اللشـَّهد ‪،‬ورعاَهد ـَّ‬

‫قام بتنسيق الرسِّالة ونشرها ‪ :‬مسِّلَممانن ببنن معببدد المقادددر أبنببو مزيبدد‬
‫غممفمر اللَلبهن لمهن ‪،‬ولدموالمديبده ‪،‬ولدمم م‬
‫شايدخده ‪،‬ولمجدمبيدع النمبسلَددمبيمن‪َ.‬‬

‫سمم ال لمه اللرسحمممن اللرمحيِمم‬


‫مب س‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪2‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫الحمد ل تعالى على ما أنعم‪ ،‬وله الشكر على ما وفق له وألهم‪ ،‬نحمده سبحانه على ما تفضل به‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ‬
‫وتكرم‪ ،‬هو ربي ل إله إل هو‪ ،‬وهو الله الواحد المعظم‪ ،‬أرسل نبيه محمددا ـ ص‬
‫فهدى ال به من هذه المة من أراد به خي دار من جميع المم‪ ،‬وحرم الهداية أهل الغي والحسد وحيل‬
‫بينهم وبين هذا الفضل والكرم‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫فهذه رسالة كتبهتها في الحسد وآثاره وأض ارره وما وقع بسببه من المصائب والشرور والفتن‪ ،‬وسردت‬
‫بعض الدلة التي نقلتها عن مؤلفات أهل العلم‪ ،‬كـ)الداب الكبرى( لبن مفلح‪ ،‬و)تفسير الرازي الكبير‬
‫ومختصره( للقمي و)الترغيب والترهيب( للمنذري ونحوها‪ ،‬رجاء أن يستفيد منه من قرأه بإنصاف‬
‫وتمعن ‪ ،‬حتى يخف أثر هذا الداء العضال الذي فشا وتمكن حتى في طلبة العلم وحملته‪ ،‬فإن الحسود‬
‫ل يسود ول يناله من حسده إل الهم والغم والنكد والكبد‪ ،‬فمن عرف أن ال تعالى هو المنعم على عباده‬
‫بما فيه خيرهم وصلحهم‪ ،‬أو فيه اختبارهم وابتلؤهم‪ ،‬فل يجوز له أن يحسدهم على ما أعطاهم ال‬
‫تعالى إوانما عليه أن يغبطهم إذا أدوا حقوق ال تعالى وعملوا بما يرضيه‪ ،‬ويحرص على أن يحصل‬
‫على مثل ما حصلوا عليه‪ ،‬فأما السعي في إزالة النعمة وتنغيصها على أهلها فهو من الكبائر‪ ،‬وال‬
‫المتفضل على عباده‪ ،‬وله الحمد والشكر وصلى ال على محمد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫عبد ال لـَّه بن عبد الرحمن بن عبد ال لـَّه الجبريِن‬


‫‪ 21‬ـَّ ‪ 3‬ـَّ ‪ 1419‬هـَّ‬

‫» تعريِف الحسد وبيِان حقيِقته « ‪:‬‬

‫تعريِف الحسد ‪:‬‬


‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪3‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫الحسد لغةة ‪ :‬قال في لسان العرب‪ :‬الحسد معروف‪ ،‬حسده صييحهسهده وصييحهسهده حسددا وحلسده إذا تمنى أن‬
‫تتحول إليه نعمته وفضيلته أو يسلبهما هو‪ ،‬وقال ‪ :‬الحسد أن يرى الرجل لخيه نعمة فيتمنى أن تزول‬
‫عنه وتكون له دونه‪.‬‬
‫) (‬
‫ط‪ :‬أن يتمنى أن يكون له مثلها و ل يتمنى زوالها عنه ‪. 1‬‬
‫والمغسب ط‬
‫صير للحاسد مثلها‪ .‬أو تمني عدم حصول النعمة‬‫واصطلحا‪ :‬هو تمني زوال نعمة المحسود إوان لم ي ه‬
‫ص‬ ‫ة‬
‫للغير‪.‬‬
‫حقيِقة الحسد ‪:‬‬
‫وحقيقة الحسد أنه ناتج عن الحقد الذي هو من نتائج الغضب‪.‬‬

‫» أدلة إثبات الحسد من القرآن والسنة « ‪:‬‬

‫أول‪ :‬الدلة من القرآن ‪:‬‬


‫سةدا ممسن معسنمد أمسنفطمسمهسم‬ ‫م ل‬ ‫م‬ ‫م‬ ‫م‬ ‫م م‬
‫قال ال تعالى ‪ ﴿ :‬مولد مكثيِرر مسن أمسهمل اسلكمتامب لمسو ميِطرددومنطكسم مسن مبسعد مإيِممانطكسم طكفا ةار مح م‬
‫﴾ )البقرة‪ (109 :‬وهذا تحذير للمؤمنين عن طريق اليهود الذين يحاولون رد المؤمنين إلى الكفر‪،‬‬
‫يحملهم على ذلك الحسد الدفين في أنفسهم لما جاء هذا النبي من غيرهم‪ ،‬فحسدوا العرب على‬
‫إيمانهم‪ ،‬وحاولوا أن يردوهم كفا دار ولكن الحق واضح فتمسكوا به‪.‬‬
‫ضلممه ﴾ ) النساء‪ ( 54 :‬وذلك هو‬
‫س معملىَ مما آمتاطهطم ال لطه ممسن فم س‬ ‫وقال تعالى ‪ ﴿ :‬أمسم ميِسح ط‬
‫سطدومن اللنا م‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ على ما رزقه ال من النبوة العظيمة‪ ،‬ومنعهم الناس من‬
‫حسدهم النبي ـ ص‬
‫تصديقهم له حسددا له لكونه من العرب ‪ ،‬روى الطبراني عن ابن عباس في قوله ‪ ﴿ :‬أمسم ميِسح ط‬
‫سطدومن‬
‫س ﴾ قال‪ :‬نحن الناس دون الناس ‪ .‬يعني‪ :‬إننا معشر العرب ‪ -‬أو معشر قريش ‪ -‬نحن الناس‬ ‫اللنا م‬
‫المذكورون في هذه الية‪ ،‬ول شك أن هذا ذم لهم على هذه الخصلة ‪ ،‬وهي الحسد الذي حملهم على‬
‫إعمال الحيلة في صد الناس عن الحق المبين‪.‬‬

‫‪ ()1‬لسان العرب لبن منظور‬


‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪4‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫سمد ﴾ )الفلق‪ (5 :‬فالحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن‬ ‫مد‬ ‫وقال تعالى ‪ ﴿ :‬موممسن م‬
‫شرر محاسد إممذا مح م‬
‫أخيه المحسود‪ ،‬ول بد أنه سوف يبذل جهده في إزالتها إن قدر ‪ ،‬فهو ذو شر وضرر بمحاولته وسعيه‬
‫في إيصال الضرر‪ ،‬ومنع الخير‪.‬‬
‫وقد حكى ال تعالى أمثلة من الحسد كقصة ابني آدم فإن أحدهما قتل أخاه حسددا لما تقبل قربانه‪،‬‬
‫ب إمملىَ‬
‫ف موأمطخوهط أممح د‬
‫سط‬‫فأوقعه الحسد في قتل أخيه بغير حق‪ ،‬و كقصة إخوة يوسف في قولهم‪ ﴿ :‬لمطيِو ط‬
‫أممبيِمنا مملنا ﴾ )يوسف‪ (8 :‬ثم عملوا على التفريق بينه وبين أبيه بما فعلوا‪.‬‬
‫سسؤطهسم ﴾ )آل عمران‪ (120 :‬وذلك مما‬
‫سمنرة تم ط‬
‫سطكسم مح م‬
‫سس‬‫وكقصة المنافقين في قوله تعالى‪ ﴿ :‬إمسن تمسم م‬
‫يحملهم على إعمال الحيل في إبعاد المؤمنين عن الخيرات‪.‬‬
‫ض ﴾ ) النساء‪ ( 32 :‬فهذا التمني‬ ‫ضمل ال لطه مبمه مبسع م‬
‫ضطكسم معملىَ مبسع د‬ ‫وقد قال تعالى‪ ﴿ :‬مومل تمتممملنسوا مما فم ل‬
‫المنهي عنه قد يكون الدافع له الحسد من المفضول للفاضل‪ ،‬مع أن الفضل بيد ال‪ ،‬يؤتيه من يشاء‪،‬‬
‫وال ذو الفضل العظيم‪ ،‬فعلى المفضول أن يطلب الفضل من ال تعالى ‪ ،‬ول ينافس أخاه ويضايقه‬
‫فيما أعطاه ال وتفضل به عليه‪.‬‬

‫» أدلة إثبات الحسد من السنة « ‪:‬‬

‫ثانةيِا‪ :‬الدلة من السنة ‪:‬‬


‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ ‪ » :‬إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب « الحديث ‪» ،‬‬
‫ثبت في الصحيحين قوله ـ ص‬
‫ول تحلسسوا‪ ،‬ول تجلسسوا‪ ،‬ول تنافسوا‪ ،‬ول تحاسدوا « الحديث‪ ،‬وهذا النهي للتحريم بل شك‪ ،‬لما في‬
‫التحاسد من الضرار والمفاسد‪ ،‬وقطع الصلت بين المسلمين‪.‬‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ قال‪ » :‬ل يجتمع‬
‫وروي ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول ال ـ ص‬
‫في قلب عبد اليمان والحسد « ‪.‬‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ ‪ » :‬إياكم والحسد؛ فإن‬
‫وثبت في السنن عن أبي هريرة وأنس قول النبي ـ ص‬
‫الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب « ‪ .‬وعن ضمرة بن ثعلبة رضي ال عنه قال‪ :‬قال‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ ‪ » :‬ل يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا « رواه الطبراني ورواته‬
‫رسول ال ـ ص‬
‫ثقات ‪.‬‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪5‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ قال ‪ » :‬دب إليكم داء المم قبلكم؛‬
‫وعن الزبير رضي ال عنه أن رسول ال ـ ص‬
‫الحسد والبغضاء‪ ،‬والبغضاء هي الحالقة‪ ،‬ل أقول تحلق الشعر‪ ،‬ولكن تحلق الدين « رواه البزار‬
‫والبيهقي بإسناد جيد‪.‬‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ ‪ » :‬يا بني‪ ،‬إن قدرت على أن تصبح وتمسي‬
‫وعن أنس قال ‪ :‬قال لي النبي ـ ص‬
‫وليس في قلبك غش لحد فافعل « رواه الترمذي وحسنه‬
‫وعن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما قال ‪ » :‬قيل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أي الناس أفضل؟ قال‪ :‬كل‬
‫مخموم القلب‪ ،‬صدوق اللسان‪ ،‬قيل‪ :‬فما المخموم؟ قال‪ :‬هو التقي النقي ل إثم فيه ول بغي ‪ ،‬ول غل‬
‫ول « رواه ابن ماجه بإسناد صحيح ‪.‬‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ قال ‪ » :‬إن لنعم ال أعداء‪ ،‬الذين يحسدون الناس على ما آتاهم ال‬
‫وروي أنه ـ ص‬
‫من فضله ‪ .‬وفي حديث مرفوع ‪ » :‬ستة يدخلون النار قبل الحساب‪ « ...،‬ذكر منهم ‪ » :‬العلماء‬
‫بالحسد « ‪.‬‬
‫وقال ابن الزبير ما حسدت أحددا على شيء من أمر الدنيا‪ ،‬إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على‬
‫الدنيا وهي حقيرة في الجنة ؟! إوان كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى‬
‫النار؟!‬
‫وروي عن الصمعي أنه قال ‪ :‬الحسد داء منصف‪ ،‬يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود‪.‬‬
‫يعني‪ :‬أن الحاسد إذا رأى أخاه في نعمة وصحة ورفاهية حسده وقام بقلبه حقد وبغض له‪ ،‬فهو كلما‬
‫رآه في هذه النعمة اغتاظ لذلك‪ ،‬فيبقى دائدما مهموم القلب حزيدنا‪ ،‬يتمنى ما ل يقدر عليه من إزالة تلك‬
‫النعم‪ ،‬فهو يتقلب على فراشه من الغيظ‪ ،‬مع أن المحسود ل يشعر بألم‪ ،‬بل هو قرير العين مسرور لم‬
‫يصل إليه في الغالب شيء من الضرر الذي في قلب الحاسد‪ ،‬إوان وصل إليه فإنه ل يتأثر به إل‬
‫قليل ‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫» الفرق بيِن العيِن والحسد « ‪:‬‬

‫العيِن هي ‪ :‬النظر إلى الشيء على وجه العجاب والضرار به ‪ ،‬إوانما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة‬
‫‪ ،‬وهي في ذلك بمنزلة الحية التي إنما يؤثر سمها إذا عضت واحتدت ‪ ،‬فإنها تتكيف بكيفية الغضب‬
‫والخبث ‪ ،‬فتحدث فيها تلك الكيفية السم ‪ ،‬فتؤثر في الملسوع‪ ،‬وربما قويت تلك الكيفية واتقدت في نوع‬
‫منها‪ ،‬حتى تؤثر بمجرد نظرة‪ ،‬فتطمس البصر ‪ ،‬وتسقط الحصبل ‪ ،‬فإذا كان هذا في الحيات ‪ ،‬فما الظن‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪6‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫في النفوس الشريرة الغضبية الحاسدة‪ ،‬إذا تكيفت بكيفيتها الغضبية‪ ،‬وتوجهت إلى المحسود‪ ،‬فكم من‬
‫قتيل! وكم من معافى عاد مضني البدن على فراشه! يتحير فيه الطباء الذين ل يعرفون إل أمراض‬
‫الطبائع‪ ،‬فإن هذا المرض من علم الرواح‪ ،‬فل نسبة لعالم الجسام إلى عالم الرواح‪ ،‬بل هو أعظم‬
‫وأوسع وعجائبه أبهر‪ ،‬وآياته أعجب‪ ،‬فإن هذا الهيكل النساني إذا فارقته الروح أصبح كالخشبة‪ ،‬أو‬
‫القطعة من اللحم‪ ،‬فالعين هي هذه الروح التي هي من أمر ال تعالى‪ ،‬ول يدرك كيفية اتصالها‬
‫بالمعين‪ ،‬وتأثيرها فيه إل رب العالمين‪.‬‬
‫وأما الحسد‪ :‬فهو خلق ذميم‪ ،‬ومعناه تمني زوال النعمة عن المحسود‪ ،‬والسعي في إض ارره حسب‬
‫المكان وهو الخلق الذي ذم ال به اليهود بقوله تعالى‪ ﴿ :‬مولد مكمثيِرر ممسن أمسهمل اسلمكمتامب لمسو ميِطرددومنطكسم ممسن‬
‫سةدا ممسن معسنمد أمسنفطمسمهسم ﴾ ) البقرة ‪ (109 :‬أي أنهم يسعون في التشكيك إوايقاع‬ ‫م ل‬ ‫م‬
‫مبسعد مإيِممانطكسم طكفا ةار مح م‬
‫الريب‪ ،‬إوالقاء الشبهات حتى يحصلوا على ما يريدونه من صد المسلمين عن السلم‪ ،‬ول شك أن‬
‫الحسد داء دفين في النفس‪ ،‬وتأثيره على الحاسد أبلغ من تأثيره على المحسود‪ ،‬حيث إن الحاسد دائدما‬
‫معذب القلب‪ ،‬كلما رأى المحسود وما هو فيه من النعمة والرفاهية تألم لها‪ ،‬فلذلك يقال ‪:‬‬
‫اصبر على كييد الحسود فـإن صبـرك قاتله * * النار تأكل نفسه ــا إن لم تجد مـا تأكله‬

‫وقال بعض السلف ‪ :‬الحسد داء منصف ‪ ،‬يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود‪.‬‬

‫» الفرق بيِن العائن والحاسد « ‪:‬‬

‫قال ابن القيِم في بدائع الفوائد ‪:‬‬


‫العائن والحاسد يشتركان في شيء‪ ،‬ويفترقان في شيء‪ ،‬فيشتركان في أن كل منهما تتكيف نفسه‪ ،‬و‬
‫تتوجه نحو من يريد أذاه‪ ،‬فالعائن‪ ،‬تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته‪،‬‬
‫والحاسد‪ :‬يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره‪ ،‬ويفترقان في أن العائن قد يصيب من ل‬
‫يحسده‪ :‬من جماد‪ ،‬أو حيوان‪ ،‬أو زرع أو مال‪ ،‬إوان كان ل يكاد ينفك من حسد صاحبه‪ ،‬وربما أصابت‬
‫عينه نفسه‪ ،‬فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق ‪ ،‬فمع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين‪.‬‬
‫ا‪.‬هـ‪.‬‬
‫فالحاصل أن الحاسد هو‪ :‬الذي يهمه ما يرى في إخوانه المسلمين من النعمة والخير ‪ ،‬والصحة‬
‫والمنزلة الراقية فيحقد عليهم‪ ،‬ويغتم لذلك‪ ،‬ثم يسعى في زوالها‪ ،‬ويبذل ما في وسعه من وشاية وكذب‪،‬‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪7‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫وافتراء عليه‪ ،‬ويؤلب عليه من له سلطة أو ولية‪ ،‬حتى تزول تلك النعمة التي يتمتع بها أخوه‪ ،‬وليس‬
‫هناك دافع له على إزالتها سوى الحقد والبغض‪ ،‬فل يقر ق ارره حتى يتلف المال‪ ،‬أو يفتقر الرجل‪ ،‬أو‬
‫يمرض ‪ ،‬أو هيحرم من حرفته أو عمله‪.‬‬
‫أما العائن فهو‪ :‬إنسان قد تكيفت نفسه بالخبث والشر‪ ،‬فأصبحت تمتد إلى ما يلفت النظر‪ ،‬و ترسل‬
‫إليها ما يحطمها ويغيرها‪ ،‬فيسقط الطائر من الهواء‪ ،‬ويعطب الوحش البري‪ ،‬بمجرد كلمته ونظرته‬
‫السامة‪ ،‬فقد ذكر ابن القيم رحمه ال أن منهم من تمر به الناقة أو البقرة السمينة فيعينها‪ ،‬ثم يقول‬
‫لخادمه‪ :‬خذ المكتل والدرهم‪ ،‬وآتنا بشيء من لحمها‪ ،‬فما تبرح حتى تقع فتنحر‪.‬‬
‫وقال الكلبي كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلثة‪ ،‬ل يأكل ثم يرفع جانب خبائه فتمر به البل‬
‫فيقول‪ :‬لم أر كاليوم إبل ول غندما أحسن من هذه‪ .‬فما تذهب إل قليل حتى يسقط منها طائفة‪.‬‬
‫وقد حكى بعض الخوان أن منهم من يريد السفر على الطائرة أو الحافلة فيعينها‪ ،‬فتتوقف حتى يتفرغ‬
‫فيأتي ويتكلم بما يبطل ما بها فتصلح مع بذل العمال ما يستطيعون في إصلحها ‪ ،‬والحكايات عن‬
‫أهل العين كثيرة مشهورة‪.‬‬
‫ومع ذلك قد أنكرها بعض المشايخ الكبار بسبب أنهم ل يعلمون لها سبدبا مباشدرا‪ ،‬وذلك لجهلهم بتأثير‬
‫الرواح وما تختلف به عن الجساد‪ ،‬كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه ال تعالى في )البدائع(‬
‫وغيره‪.‬‬

‫» مراتب الحسد « ‪:‬‬

‫ذكر ابن سلمان في )الموارد( أنها خمس‪:‬‬


‫الولىَ ‪ :‬أن يتمنى زوال النعمة عن الغير ويسعى في الوسائل المحرمة لزالتها بكل ما يستطيع‪،‬‬
‫صا المتزاحمين في صفة واحدة‪،‬‬
‫وهي الغاية في الخبث والنذالة‪ ،‬وهما الغالب في الحساد‪ ،‬خصو د‬
‫كالتجار والعمال‪ ،‬وأهل الوظائف الحكومية‪ ،‬فمتى ربح أخوه ربدحا كثيدرا‪ ،‬أو حصل له لذة مما يتمناه‪،‬‬
‫أو حصل على عمل أو منصب أرفع من غيره‪ ،‬فإن الحاسد يعمل في الساءة إليه‪ ،‬ويسعى في‬
‫حرمانه‪ ،‬ويلصق به العيوب‪ ،‬ويولد عليه الكاذيب‪ ،‬ليزيحه عن ذلك العمل‪ ،‬وينصب نفسه مكانه‪.‬‬
‫المرتبة الثانيِة ‪ :‬أن يتمنى زوال تلك النعمة ‪ ،‬ويحب ذلك ‪ ،‬إوان كان ل يريدها لنفسه‪ ،‬ول يطمع فيها‪،‬‬
‫لكن من باب الحقد على أخيه والبغض له‪.‬‬

‫الثالثة ‪ :‬الرغبة في زوال النعمة عن المحسود سواء انتقلت إليه أو إلى غيره‪:‬‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪8‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫أن يجد من نفسه الرغبة في زوال النعمة عن المحسود‪ ،‬سواء انتقلت إليه أو إلى غيره‪ ،‬ولكنه ل يعمل‬
‫شيدئا في إزالتها إل أنه في جهاد مع نفسه‪ ،‬وكفها عما يؤذي أخاه‪ ،‬خودفا من ال تعالى‪ ،‬وكراهة لظلم‬
‫عباد ال‪ ،‬فهذا قد كفي شر غائلة الحسد‪ ،‬ودفع عن نفسه العقوبة الخروية‪ ،‬ولكن ينبغي له أن يعالج‬
‫نفسه عن هذا الوباء الذي هو بغض النعمة‪ ،‬ومحبة زوالها عن أخيه المسلم‪.‬‬

‫ضا لذلك الشخص‪ ،‬لسبب شرعي‪ ،‬كأن يكون ظالدما‬ ‫الرابعة ‪ :‬أن يتمنى زوال النعمة عن غيره بغ د‬
‫يستعين على ظلمه بذلك المنصب‪ ،‬أو ذلك الجاه والمال‪ ،‬فيتمنى زوالها ليريح الناس من شره‪،‬‬
‫وكالفاسق الذي يستعين بالمال أو المنصب على فسقه وفجوره‪ ،‬فتمني زوال ذلك والسعي فيه ل إثم‬
‫فيه‪ ،‬بل قد يكون مثادبا إذا عمل على إراحة المسلمين من الشر والعسف ‪ ،‬والظلم والتجبر الذي يتسلط‬
‫به ذلك الظالم بسبب منصبه أو جاهه‪.‬‬

‫الخامسة ‪ :‬أن يتمنى لنفسه مثلها‪ ،‬ول يحب زوالها عن أخيه‪ ،‬ول يسعى في ذلك‪ ،‬سواء كانت تلك‬
‫النعمة من مباح متاع الدنيا كالمال والجاه‪ ،‬أو من النعم الدينية كالعلم الشرعي ‪ ،‬والعبادة الدينية‪ ،‬وقد‬
‫صللى الللـهه صعلصييهه صوصسللصم ـ ‪ » :‬ل حسد إل في اثنتين ‪ :‬رجل أتاه ال مال فسلطه‬
‫ثبت في الصحيح قوله ـ ص‬
‫على هلكته في الحق‪ ،‬ورجل آتاه ال الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها« وهذا ل يسمى حسدا إل من‬
‫حيث الظاهر‪ ،‬إوال فهو غبطة ومنافسة‪ ،‬ومحبة للحصول على الخير الدنيوي‪ ،‬والجر الخروي‪ ،‬فهو‬
‫يحب أن يكون مثل أخيه‪ ،‬ويغبطه بذلك‪ ،‬وله مثل أجره على حسن نيته وقصده‪.‬‬

‫» أسباب الحسد ودوافعه « ‪:‬‬

‫يمكن أن نلخص ذلك في سبعة أسباب‪:‬‬


‫أولها‪ :‬العداوة والبغضاء فمن آذاه إنسان وأوصل إليه ضردار ‪ ،‬فل بد أن يبغضه‪ ،‬ويغضب عليه‪،‬‬
‫ويتولد من ذلك الحقد المقتضي للتشفي والنتقام‪ ،‬فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب‬
‫أن يتشفى منه الزمان‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿ :‬إمسن تممسسطكم حسمنرة تمسسؤطهم إوماسن تط م‬
‫صسبطكسم مسريِمئرة ميِسفمرطحوا مبمها ﴾‬ ‫ط سم‬ ‫س م س س م م‬
‫)آل عمران‪ (120:‬وربما أفضى هذا الحسد إلى التقاتل والتنازع‪.‬‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪9‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫ثانيِها ‪ :‬التعزز فإلن واحددا من أمثاله إذا نال منصدبا عالديا ‪ ،‬يترفع به عليه‪ ،‬وهو ل يمكنه تحمل ذلك‪،‬‬
‫أراد زوال ذلك المنصب عنه‪ ،‬وليس غرضه التكبر‪ ،‬بل يريد أن يدفع كبره‪ ،‬فإنه قد رضي بمساواته‪.‬‬
‫ثالثها ‪ :‬أن يكون من طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير‪ ،‬ليقدر على ذلك‬
‫الغرض‪ ،‬ليكون تابدعا له‪ ،‬ومنه قوله تعالى عن المشركين‪ ﴿ :‬مومقالطوا لمسومل طنرزمل مهمذا اسلقطسرآطن معملىَ مرطجدل‬
‫مممن اسلقمسرميِتمسيِمن معمظيِدم ﴾ )الزخرف‪ (31:‬يعني أنهم يتكبرون عن أن يكونوا تابعين‪ ،‬بدل ما كانوا‬
‫متبوعين‪ ،‬وقال تعالى‪ ﴿ :‬أممهطؤملمء مملن ال لطه معلمسيِمهسم ممسن مبسيِمنمنا ﴾ )النعام‪ (53:‬كأنهم احتقروا المسلمين‬
‫الذين كانوا أتبادعا فاستقلوا عنهم‪.‬‬
‫ورابعها ‪ :‬التعجب من أن يفضلهم رجل من أمثالهم كما في قوله تعالى ‪ ﴿ :‬أممومعمجسبتطسم أمسن مجامءطكسم مذسكرر‬
‫ممسن مرربطكسم معملىَ مرطجدل ممسنطكم ﴾ )العراف‪ (63:‬فكأنهم عجبوا من رجل مماثل لهم‪ ،‬ينزل عليه الوحي‬
‫دونهم‪ ،‬فلذلك حسدوه‪.‬‬

‫وخامسها ‪ :‬الخوف من فوات المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد كتحاسد‬
‫الضرائر على مقاصد الزوجية‪ ،‬وتحاسد الخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند البوين‪ ،‬وتحاسد‬
‫الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة؛ وفي ذلك قال الشاعر‪:‬‬
‫حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * * * فالقوم أعداء له وخصـوم‬
‫كغرائر الحسناء قلن لوجههـا * * * حسـددا وبغديـا إنه لدميـم‬

‫وسادسها ‪ :‬حب الرئاسة كمن يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون‪ ،‬فإنه لو سمع بنظير له‬
‫في أقصى العالم ساءه ذلك‪ ،‬وأحب موته‪ ،‬فإن الكمال محبوب لذاته وهذا المحبوب مكروه‪ ،‬ومن أنواع‬
‫الكمال التفرد به‪ ،‬لكن هذا ممتنع إل ل تعالى‪ ،‬ومن طمع في المحال خاب وخسر‪.‬‬
‫وسابعها ‪ :‬شح النفس بالخير على عباد ال فإنك تجد من ل يشتغل برئاسة ول تكبر‪ ،‬ول طلب مال‬
‫إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد ال شق عليه ذلك‪ ،‬إواذا وصف اضطراب الناس إوادبارهم‬
‫فرح به ‪ ،‬فهو أبددا يحب الدبار لغيره‪ ،‬ويبخل بنعمة ال على عباده‪ ،‬كأنهم يأخذون ذلك من ملكه‬
‫وخزائنه‪ ،‬وهذا ليس له سبب ظاهر سوى خبث النفس‪ ،‬كما قيل‪ :‬البخيل من بخل بمال غيره‪.‬‬

‫» أثر الحسد علىَ المجتمع « ‪:‬‬


‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪10‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫سمد ﴾)الفلق‪(5:‬‬ ‫مد‬ ‫لقد أمر ال تعالى بالستعاذة من شر الحاسد‪ ،‬في قوله‪ ﴿ :‬موممسن م‬
‫شرر محاسد إممذا مح م‬
‫وهذا دليل على أن له شر وفيه ضرر‪ ،‬ول يتحصن منه إل بالستعاذة بال تعالى‪ ،‬حيث إن الحسد من‬
‫أعظم المراض الفتاكة بالمجتمع‪ ،‬فهو يجبر صاحبه على أصعب المور‪ ،‬ويبعده عن التقوى‪،‬‬
‫فيضيق صدر الحسود‪ ،‬ويتفطر قلبه إذا رأى نعمة ال على أخيه المسلم‬
‫ولقد كثر الحسد بين القران والخوان والجيران‪ ،‬وكان من آثار ذلك التقاطع والتهاجر‪ ،‬والبغضاء‬
‫والعداوة‪ ،‬فأصبح كل من الخوين أو المتجاورين يتتبع العثرات‪ ،‬ويفشي أسرار أخيه‪ ،‬ويحرص على‬
‫الضرار به‪ ،‬والوشاية به عند من يضره أو يكيد له ‪ ،‬ول شك أن ذلك من أعظم المفاسد في‬
‫المجتمعات السلمية‪ ،‬فإن الواجب على المسلمين أن يتحابوا ويتقاربوا ويتعاونوا على الخير والبر‬
‫والتقوى‪ ،‬وأن يكونوا يددا واحدة على أعدائهم من الكفار والمنافقين‪ ،‬فمتى أوقع الشيطان بينهم العداوة‬
‫والبغضاء‪ ،‬وتمكنت من قلوبهم الحقاد والضغائن‪ ،‬حصل التفرق والتقاطع‪ ،‬وصار كل فرد يلتمس من‬
‫أخيه عثرة أو زلة فيفشيها‪ ،‬ويعيبه بها‪ ،‬ويكتم ما فيه من الخير‪ ،‬ويسيء سمعته‪ ،‬ويجعل من الحبة‬
‫قبة‪ ،‬ويقوم الثاني بمثل ذلك‪ ،‬وكل منهما يوهم أن الصواب معه‪ ،‬وأن صاحبه بعيد عن الصواب‪.‬‬
‫ثم إن كل منهما يحرص على الضرار بالخر ويعمل على حرمانه من الخير‪ ،‬فيصرف عنه المنفعة‬
‫العاجلة‪ ،‬ويحول بينه وبين المصالح المطلوبة من فائدة مالية‪ ،‬أو حرفة أو أرباح أو معاملت مفيدة‪،‬‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬ول شك أن هذا يضر المجتمعات ويقضي على المصالح‪ ،‬ويتمكن العداء من المنافع‬
‫ومن استغلل الفوائد‪ ،‬وبتمكنهم يضعف المسلمون المخلصون‪ ،‬ول ينالون مطلوبهم من ولية أو‬
‫رئاسة‪ ،‬أو شرف أو منفعة‪ ،‬وسبب ذلك هذه المنافسات التي تمكنت من النفوس‪ ،‬حتى حرموا إخوانهم‬
‫وأنفسهم من الخير‪ ،‬وسلطوا عليهم أعداءهم‪.‬‬
‫أفل يرعوي المؤمن‪ ،‬ويعرف مصلحته ويحب الخير لخوانه‪ ،‬ويوصل إليهم ما يستطيع‪ ،‬حتى يعم‬
‫المن ويصلح أمر الدين والدنيا والخرة‪ ،‬وال المستعان‪ ،‬وعليه التكلن‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال‬
‫وصلى ال على محمد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫» كيِفيِة علجا الحسد « ‪:‬‬

‫يمكن أن يلخص علجه في أمرين ‪ :‬العلم والعمل ‪:‬‬


‫أما العلم ‪ :‬ففيه مقامان‪ :‬إجمال‪ ،‬وهو أن يعلم أن الكل بقضاء ال وقدره ‪ ،‬وأن ما شاء ال كان‪ ،‬وما لم‬
‫يشأ لم يكن‪ ،‬وأن رزق ال ل يجره حرص حريص‪ ،‬ول يرده كراهية كاره‪.‬‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪11‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫وتفصيل‪ :‬وهو العلم بأن الحسد قذى في عين اليمان‪ ،‬حيث كره حكم ال وقسمته في عباده‪ ،‬فهو‬
‫غش للخوان‪ ،‬وعذاب أليم‪ ،‬وحزن مقيم‪ ،‬ومورث للوسواس‪ ،‬ومكدر للحواس‪ ،‬ول ضرر على المحسود‬
‫في دنياه‪ ،‬لن النعمة ل تزول عنه بحسدك‪ ،‬ول في دينه‪ ،‬بل ينتفع به‪ ،‬لنه مظلوم من جهتك‪ ،‬فيثيبه‬
‫ال على ذلك‪ ،‬وقد ينتفع في دنياه أيضا من جهة أنك عدوه‪ ،‬ول يزال يزيد غمومك وأحزانك‪ ،‬إلى أن‬
‫يفضي بك إلى الدنف والتلف‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫اصبر على مضض الحسود * * * فإن صبــرك قاتـله‬
‫النار تأكل نفسه ـ ــا * * * إن لـم تجـد ما تأكله‬
‫صا من ال تعالى بمزيد الفضائل‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصو د‬
‫ل مات أعداؤك بل خلـدوا * * * حتى يروا منك الذي يكمد‬
‫ل زلت محسوددا على نعمة * * * فإنما الكامل من يحســد‬
‫والحاسد مذموم بين الخلئق ‪ ،‬ملعون عند الخالق‪ ،‬مشكور عند إبليس وأصدقائه‪ ،‬مدحور عند الخالق‬
‫وأوليائه‪ ،‬فهل هو إل كمن رمى حج دار إلى عدو ليصيب به مقتله‪ ،‬فرجع حجره إليه فقلع حدقته اليمنى‪،‬‬
‫فغضب فرماه ثانديا فرجع ففقأ عينه الخرى‪ ،‬فازداد غيظه فرماه ثالدثا فرجع إلى نفسه فشدخ رأسه‪،‬‬

‫ب اسلمخمرمة أم م‬
‫شد موأمسبمقىَ ﴾ )طه ‪. (127: ،‬‬ ‫وعدوه سالم‪ ،‬وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون‪ ﴿ :‬مولممعمذا ط‬

‫وأما العمل ‪ :‬فهو أن يأتي بالفعال المضادة لمقتضيات الحسد فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف‬
‫لسانه المدح له‪ ،‬إوان حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له‪ ،‬إوان حمله على قطع أسباب‬
‫الخير سعى في إيصال الخير إليه‪ ،‬حتى يصير المحسود محبودبا محببا له‪ ،‬على حد قوله تعالى‪﴿ :‬‬
‫سطن فممإمذا ا لمذيِ مبسيِمنمك مومبسيِمنطه معمداموةر مكأملنطه مومليي محمميِرم ﴾ )فصلت‪ (34:‬فذلك التكلف‬ ‫م م‬
‫اسدفمسع مبا لتي همي أمسح م‬
‫يصير في النهاية طبدعا ‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن القيم أن شر الحاسد يندفع عن المحسود بعشرة أسباب‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬التعووذ بال من شره‪ ،‬والتحصن به واللجوء إليه‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬تقوى ال وحفظه عند أمره ونهيه‪ ،‬فمن اتقى ال حفظه ولم يكله إلى غيره‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬الصبر على عدوه‪ ،‬فل يقاتله ول يشتكيه‪ ،‬ول يحدث نفسه بأذاه‪ ،‬فما نصر على حاسده بمثل‬
‫الصبر‪ ،‬والتوكل على ال‪ ،‬ول يستطيل المهال له‪ ،‬وتأخير النتقام منه‪.‬‬
‫جبِرين‬
‫من ُبن ُ ج‬
‫ح س‬ ‫عبِد ُاللرـَّ ج‬
‫ه ُبن ُعبِد ُالرر ح‬ ‫‪12‬‬ ‫سدد ُ«‬
‫ح س‬
‫» ُال س‬

‫الرابع ‪ :‬التوكل على ال‪ ،‬فمن توكل على ال فهو حسبه‪ ،‬فالتوكل من أقوى السباب التي يدفع بها‬
‫العبد ما ل يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم‪ ،‬فمن كان ال كافيه وواقيه فل مطمع فيه لعدوه ول‬
‫يضره‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬فراغ القلب من الشتغال به ‪ ،‬والفكر فيه‪ ،‬فيمحوه من باله‪ ،‬ول يلتفت إليه‪ ،‬ول يخافه‪ ،‬ول‬
‫يشغل قلبه بالفكر فيه‪ ،‬فمتى صان روحه عن الفكر فيه‪ ،‬والتعلق به‪ ،‬فإن خطر بباله بادله إلى محو‬
‫ضا ‪.‬‬
‫ذلك الخاطر‪ ،‬والشتغال بما هو أنفع له‪ ،‬بقي الحاسد يأكل بعضه بع د‬
‫السادس‪ :‬القبال على ال‪ ،‬والخلص له‪ ،‬وجعل محبته ورضاه والنابة إليه في محل خواطر نفسه‬
‫وأمانيها‪ ،‬بحيث تبقى خواطره وهواجسه كلها في محاب ال‪ ،‬والتقرب إليه ‪ ،‬فيشغل بذلك عن الحاسد‬
‫وحسده‪ ،‬ويكون قلبه معمودار بذكر ربه والثناء عليه ‪ ،‬غير متشاغل بغيره‪.‬‬
‫السابع‪ :‬تحرريه التوبة من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه ‪ ،‬فما سلط على العبد أحد إل بذنبه‪ ،‬فعليه‬
‫المبادرة إلى التوبة والستغفار‪ ،‬فما نزل بالعبد بلء إل بذنب‪ ،‬ول رفع إل بتوبة‪.‬‬
‫الثامن ‪ :‬الصدقة والحسان مهما أمكن فإن لذلك تأثي دار عجيدبا في دفع البلء‪ ،‬وشر الحاسد‪ ،‬فل يكاد‬
‫الذى والحسد يتسلط على متصدق‪ ،‬فإن أصابه شيء كان معامل باللطف والمعونة والتأييد‪.‬‬
‫التاسع‪ :‬إطفاء نار الحاسد والباغي والظالم بالحسان إليه‪ ،‬فكلما ازداد أذاه وشره وبغيه‪ ،‬ازددت إليه‬
‫سريِمئمة ﴾ )المؤمنون‪(96:‬‬ ‫م م‬
‫إحسادنا وله نصيحة ‪ ،‬وعليه شفقة لقوله تعالى ‪ ﴿ :‬اسدفمسع مبا لتي همي أمسح م‬
‫سطن ال ل‬
‫العاشر ‪ :‬تجريد التوحيد ل تعالى ‪ ،‬والترحل بالفكر في السباب إلى المسبب العزيز الحكيم ‪ ،‬والعلم‬
‫بأنها بيد ال تعالى‪ ،‬فهو الذي يصرفها عنه و حده إلى آخر كلمه‪ ،‬وقد لخصت هذا من كلمه على‬
‫آخر سورة الفلق في )بدائع الفوائد( فليراجع‪.‬‬

‫وال تعالى أعلم وأحكم وصلى ال تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ‪.‬‬